محمد جواد مغنية
60
في ظلال نهج البلاغة
إنسان من أنفسهم ما يرغبون في مثله ، وفيهم الكثير من أهل الرأي السليم ، والعقل الحكيم . وتجدر الإشارة إلى أن الإمام لا ينهى عن الاستعانة بالمجرم ان كان عنده شيء من الخير والإحسان ، وإنما ينهى عن الوثوق به والاطمئنان إلى دينه وضميره . . . وما من أحد إلا وفيه خير وشر ، ولا ينبغي أن يمنعنا شره عن الانتفاع بخيره . ( ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك ) . الحق مر وثقيل على أهل الهوى والجهل ، أما أهل العلم والعدل فالحق ضالتهم انّى كان ويكون ، ويجهرون به ، ولا يخشون فيه لومة لائم . . . فإذا ظفرت بواحد منهم فقرّبه إليك ، واستمع له ، وارفع من شأنه ( وأقلهم مساعدة فيما يكون منك إلخ ) . . . أيضا قرب إليك من لا يساعدك على باطل لمنفعة عاجلة ومسرة زائلة ، ولا يزين لك فعل ما ينبغي تركه ، وترك ما ينبغي فعله ( ثم رضهم ) أي عودهم ( على أن لا يطروك إلخ ) . . كما يفعل الانتهازيون من أهل النفاق والرياء . . . وليس من شك ان الحاكم الواعي يعلم دخيلتهم وأهدافهم ، وينزلهم في المكان اللائق بهم ، ولا يغتر بتصفيقهم وهتافهم إلا جاهل سخيف ، أو مزيف خائن على شاكلتهم وأخلاقهم . ( ولا يكونن المحسن والمسيء - إلى - نفسه ) . إن اللَّه سبحانه أمر عباده بالتراحم ورحمهم ، وأمرهم بالجود وجاد عليهم ، وعاملهم على أساس من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، وأمرهم أن يقيموا العلاقات فيما بينهم على هذا المبدأ ، ولا يرضى منهم إلا بمثل ما أعطاهم وعاملهم . . . سبحانك ربنا ما أكرمك وأعظمك . . . تعاليت وساويت . ( واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلخ ) . . . قال رسول اللَّه ( ص ) : « البر ما اطمأنت اليه النفس ، واطمأن اليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب ، وتردد في الصدر ، وان أفتاك الناس وأفتوك » . وعلى هذا يكون الحاكم أعرف الناس بأن الرعية تحبه وتثق به ، أو تكرهه ولا تركن اليه ، لأن حبهم أو كراهيتهم انعكاس عن سيرته ومعاملته ، فإن كان إليهم من المحسنين أحسن بهم الظن وعلم أنهم يحبونه لعلمه بأن الانسان عبد الاحسان ، وان كان من المسيئين أساء بهم الظن وعلم أنهم يمقتونه ليقينه بأن الانسان عدو بطبعه لمن أساء اليه .